محتويات هذه المدونة مهداة إلى ربيعة الناصر:صديقتي الجميلة،وإلى طارق
| ► | حزيران 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 |
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 |
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |
| 27 | 28 | 29 | 30 | |||

|
|
محتويات هذه المدونة مهداة إلى ربيعة الناصر:صديقتي الجميلة،وإلى طارق

“حوارية مسرح”
المسرح يجسد هيكلا لحانة قديمة..الطاولات مبعثرة على غير نظام،ولكنها تبدو بحالة جيدة وشكل أنيق إلى حد ما..الجدران تحمل لوحات تشكيلية جميلة وعتيقة.. الحانة أقرب إلى الخواء ماعدا النادل الذي يصف آخر الكؤوس مؤذنا بوقت الإغلاق..
يدخل رجلان وهما يتحدثان معا.. تبدو على ملامحهما القلق الهادئ،الأول هو عارف شاب طويل وهزيل..له عينان واسعتان ترابيتان..وله نظرة ذئب مدجّن..يعمل في مهنة المحاماة،ولكنه في الحقيقة شبه عاطل عن العمل..والآخر مصطفى شاب ربعة،له لون الحنطة التي لوّحتها شمس قاسية..عيناه ضيقتان تشي بذكاء حاد..يعمل محاضرا في كلية لتدريس اللغات الأجنبية الحية..
يقتربان من النادل..
عارف:لو سمحت نريد أن نحتسي بعض النبيذ،هل لديك بقية وقت،وبقية نخب لهذين البائسين..
يبتسمان..ويشاركها النادل،فلقد كان بمزاج لطيف،وكان هو الآخر شاب ،ضامر الهيئة،ملامحه تحبل بالتعب المزمن،كان يدرس التاريخ في الجامعة ويعمل نادلا في الليل ليتقي العوز،ويكمل ما بدأه من طريق وعرة ارتأها لنفسه في البحث عن المعرفة،وعن عيش كريم..
ينظر اليهما النادل( كأنه يريد اتخاذ قرار ما):ولكنه وقت الإغلاق..المعلم لايسمح بالتأخر إلا في المناسبات العامة والأعياد وذكرى الهزائم،وفي أوائل الحروب وأواخرها..وفي ايام الانتخابات..وفي الأيام التي يتم فيها اصدار تقارير عن حالة حقوق الإنسان في المنطقة..وفي يوم الطفل،والمرأة..ويوم أوروبا..وفي الحادي عشر من سبتمر من كل سنة..وبعض المناسبات الخاصة الأخرى..عموما الجدول المعلق هناك على باب الحانة فيه تفاصيل أكثر عن دوام الحانة..
مصطفى:ترفق بنا..نحن هاربين من هذه الدوامات..المعادلة بسيطة،سأعطيك سببا مقنعا فتدعنا نشرب الليلة هنا حتى يصل النبيذ إلى العظم..
النادل(بدماثة):أعطني سببا مقنعا،وأعطيك نبيذا معتقا من ذاك الذي نحتفظ به في المستودع ،ولا نخرجه إلا للخاصة..سأقامر اليوم مقابل هذا السبب..
عارف يتابع الحوار باهتمام(مبتسما): مصطفى أرجوك لا تفوت علينا النبيذ..انبش عبقريتك من مخدعها لتسهر الليلة معنا حتى آحر خيط للعتمة،فأنا بأمس الحاجة إليه اليوم..
النادل(بخبث) لمصطفى:ولكن لو لم يكن سببك مقنعا،سنشرب ثلاثتنا غدا على حسابك..
مصطفى:لك هذا..ولكني لا أتقول عن جهل،إذهب و أحضر الزجاجات،سنجلس على تلك الطاولة في الوسط..
النادل:ليس قبل أن تدلي بدلوك..
مصطفى(وقد تغيرت ملامحه إلى الجدية تماما):اسمع،يبدو أنك لست قذرا كفاية لتمنع عنا سلوتنا هذه الليلة..السبب هو أننا بحاجة لنسيان وجودنا..نريد أن تحملنا الغيبوبة إلى عوالمها الغريبة قليلا من الوقت أو كثيرا منه إن أمكن..أريد أن أحمل هذا الحضور العاجز وأركنه في زاوية أكثر غيابا من أن أشعر به..
عارف(يكمل ما بدأه مصطفى):نحن أيها النادل مصابون بداء الوعي..تعترينا الحمّى كل مساء ولا نعرف كيف نهادنها..لابد أن نرتاح قليلا وإن كان الترياق مرٌّ أيضا..سنشربه دون قلق..
النادل(انقبضت ملامحه،ودون أن يستمر بالجدل حتى وإن كان من باب الدعابة):تفضلا بالجلوس،سأجلب النبيذ الخاص..
مصطفى(لعارف،وهما يخطوان نحو طاولة في الوسط) : سأدعوه ليشرب معنا..لابد أنه الآخر متعب من وجوده..
جلسا..
عارف :قل لي لماذا لم تحضر الكتاب معك..كنت أؤمل نفسي بقراءته غدا..
مصطفى(وقد أخرج لفافة من علبة السجائر،وقدمها لعارف): لم أكمل قراءته بعد..لقد شغلتني قصيدة..لا عليك سأنتهي منه في غضون يومين..هذه المرة الثالثة التي أقراؤه فيها دون أن أتيقن أني سبرت عمقه جيدا..آمل أن تصل أنت الى شئ مختلف..
عارف: هذا مؤكد..لابد للإنسان أن يسير وفقا لبوصلته الداخلية الخاصة في أي تجربة يخوضها وأن يدمغها ببصمته الفريدة،وفي القراءة يبدو الأمر جليا .. هل تذكر أيام الجامعة عندما كنا نتحدث عن قراءاتنا لكتاب معين نحن والأصدقاء..الكل يصل إلى الفكرة العامة نفسها،ولكن عندما نخوض في التفاصيل فقد كنت الاحظ أن الاختلافات تبرز في كل رأي حسب مقاسات القرّاء الاجتماعية ومساحاتهم الفكرية واتساع آفاق الخيال لديهم..
مصطفى(يسحب نفسا عميقا من سيجارته):الغريب ياعارف،أنه على الرغم من ذلك، نرى كتلا بشرية أمامنا محكومة لنفس الذائقة،ولها نفس الآراء تقريبا..أشعر أحيانا أنها لعنة..طغيان الأغلبية وحكم العادة سيبتلعان كل المحاولات التنويرية التي تتفتق هنا وهناك..
عارف:الإنسان يخاف من الوحدة كثيرا،لذلم فهو يخاف أن يسلك جديد السبل وأن يطرق أساليب مبتكرة للعيش..أو أن يستسلم بتفرده المحتوم..
أهو جبنٌ..أم قلة حيلة..أم ضياع!
قبل أن يكمل عارف كلامه بقليل ينبعث صوت خفيض هادئ لموسيقى ستروس ويظهر بعد ذلك بقليل النادل حاملا زجاجتي نبيذ وكأسين ووعاءً لقطع الثلج..
النادل ) وهو يضع النبيذ وملحقاته على الطاولة ) : هل أعجبتكم الموسيقى؟..هذه أيضا لخاصة الزبائن..يبتسم..
مصطفى:كنت سأشكرك لأجلها..ولكنك سبقتني بسؤالك..موسيقى رائعة..
عارف(للنادل):لك ذائقة أرقى من المتوقع،وفي عينيك عمق واضح لا يناسب نادل في حانة..
النادل:قصتي طويلة..أهم ما فيها أني لم أقوى على مهادنة اليأس يوما..
مصطفى:تفضل وشاركنا السهرة،يسرنا ذلك..
النادب:لامانع عندي..ولكني سأستأذنكم لأجلب علبة سجائري،وزجاجة نبيذ أخرى..
عارف:اقبل ضيافتنا اليوم..
النادل:اعذرني..هذا قيد لا أرتضيه لنفسي..دقيقة وأعود وذهب باتجاه المستودع والغرفة الداخلية التي أتى منها..
مصطفى:هذا النادل يخفى وراء جسده الضامر وهندامه المتواضع رجلا لايستهان به..أظننا سنقضي وقتا مميزا معه..
يبدأ عارف بوضع قطع الثلج في الكؤوس،
ولكن ينبهه مصطفى:لا تسكب النبيذ قبل أن يرجع..لم يعد نادلا،هو الآن نديم سهرتنا،ولابد أن ننتظره ليفتتح نخبنا الأول..
عارف:ليكن نديمنا الذي فاجأتنا به السماء على غير موعد..سننتظره..
يشعل سيجارة أخرى،ويتابع حديثه لمصطفى: أيها الشقي..كنت قد حدثتني قبل قليل عن قصيدة شغلتك عن قراءة ما تبقى من الكتاب..هل هي قصيدة جديدة لتلك المرأة الغامضة التي استلبتك كما أظن،دون أن تنوي البوح لها بما تخفيه داخلك من عالم مسبوغ بحبها..
قاطعه مصطفى(بقليل من الحدة):لاتتحدث عنها بهذه الطريقة،أنا الذي أبقيت لها ذلك الغموض..وأنا الذي لم أحاول يوما أن أقتحم هالتها الأشبه بإشعاع نوراني(يرق صوته)،ولم أستسلم لأنوثتها الأقرب إلى بؤرة جاذبية لاتقاوم..والحق أني لا أقاومها،ولكن بطريقتي الخاصة دون أن اعرّض نفسي وأعرضها لما لا تحمد عاقبته..سأتركها بمنأى عن ضياعي..وسأبقيني بعيدا عن ويلات الحب والآمه التي إن لم تقتل المرء،فهي على الأقل ستترك ندبا قد لا تشفى الذاكرة منها أبدا..أقسم أني إن أمسكت يدها فقط..هالكٌ لا محالة..
عارف(يحتد ولكن بعطف واضح):وأنا أقسم أيضا أنك مجنون لامحالة..
في هذه الأثناء يأتي النادل ومعه الزجاجة وعلبة السجائر،ويقتعد كرسيا بين الاثنين..
النادل:اعذروني،لقد سمعت بعض حديثكم..كان صوتكم مرتفعا إلى حد ما،وهذا الليل يُخبر حتى عن أحاديث الهامسين..
عارف:لا بأس..لم نكن نتحدث عن أسرار محرجة..لقد سألته عن قصيدته الجديدة،فأدخلني متاهات حبه الغرائبي..والنتيجة هي أنه لم يجبني عن السؤال..
مصطفى(لعارف):يالك من صعلوك..تريد أن تعرف إن كانت القصيدة لها؟!..سأقول لك..أنا لا أعرف بالضبط،ولكن الأكيد أنها ألهمتني بالكثير من مقاطعها..
النادل:جميل جدا..لدينا شاعر هنا….هات قصيدتك وسنحكم إن كانت لها أم لا..
يبدأ عارف بتوزيع الثلج..ويتولى كل منهم سكب النبيذ في كأسه الخاصة..
عارف(للنادل):لقد قررنا أن تفتتح أول نخب لنا الليلة..
النادل(بمرح):أنا لها..
رفعوا الكوؤس في الهواء بارتفاعات متوازية..
النادل:نخب الأسباب المقنعة..ونخب الزبائن المميزين..ونخبها(يقولها وهو يغمز لمصطفى)..
يختلط صوت الضحك بصوت قعقعة الكوؤس..ويبدأ شرب النبيذ..
عارف:لذيذ هذا النبيذ..يبدو أنه سيسكرنا سريعا..
مصطفى:نعم لذيذ..هل ثمنه أغلى من العادي بكثير؟!
النادل:لا أبدا..لاتقلق بشأن السعر..دعنا نعود إلى القصيدة..إقرأها علينا..
عارف(لمصطفى):هيا..أحب إلقاءك وأنت تشرب النبيذ..
الموس

كنتُ هناك..
ملوثة بطهر خطيئتي..
..
فوق النهر،
ألاحق خطو الأرض إلى سرّها..
..
كانت تحتسي رحيق الحب،
فتبقى..
ونبقى..
ضفتان في مهب العشق
يذرونا..
فنَنبِت فوق يباب الضياع،
مروجا..
ونُنبِت في عتمة الدرب
عيونا..وجفونا..
ومآقٍ تمطر شوقاً،
..
ونحبل رغم هزائمنا بنور بعيد
يشاطرنا ظلنا والجسد..
..
كنت هناك..
تلوك سنوني رياح غريبة..
تراقص أشباحنا على بعد شمس..
وعلى وقع موج التنائي
لحظة!
(وامتدت إلى فراغات الصمت،دهرا..)
مرّ الشتاء،
ثلاث عشرة،حزنا..
قبل أن أعرف الضوء،
وقبل أن تسكبَ ماء الحياة،
فوق ترابي..
وترحل دون انتظار لما سأكون..
وفي معبر الروح إلى المستحيل،
في إسرائها إلى ما تكون،
تطايرتُ فوق الغمام،ضياعا..
فتلك الأزقة خلف الرحيل،
أعمتْ يقينَ الدروب عن الخطو قربي..
ثم..
تراشقتْ جدرانها أصداء لغتي الغريبة..
وفي آخر الألم،
تجمّلت بالصمت،
يحرس ليلي..
فالخيبات تدق على نوافذ العمر المحكومة بالعطب..
لاتكسر النوافذ إيها الرجل،فالهواء مسممٌ بالغياب..
.
.
من الضوء إلى الضوء،
سرابات تحتفي بإعدام جمالها،
فوق مذبح الحقيقة..
ترقص فوق حبال العدم،
مدارية عبورها بظل يبقى..
من الضوء إلى الضوء،
(أقل من قاتل،وأكثر من ضحية)

يفترش خشبة المسرح ،السجاد الخمري نفسه..وعلى الجهة المقابلة للجمهور لوحة جدارية تمتد على طرفي الحائط لساعةٍ مثبت عليها عقارب واقفة تشير إلى الثالثة،وبندول ضخم يتردد دون كلل..الأضواء خافتة لاتشي بكثير
من الحياة..صوت البندول خفيضٌ وهو يراوح..وليليت برداء أبيض هذه المرة تقتعد الأرض على يسار المسرح،وتسند ظهرها للجدار..شعرها الكستنائي سابل هادئ..وقد أنغرس في صدرها خنجر صغير أحدث نزفا انتشرت بقعُهُ حول الجرح،ومازال ينزف..ليليت تغالب أوجاعها..تتناول كبريتا،وتشعل الشمعة.؟
الشمعة:عمت مساءً ياليليت،اما زلت تنزفين حتى الآن؟!
ليليت(تبدو متأقلمة إلى حد مُربك مع نزفها وخنجرها،وتبدو بحزن جنائزي): هل يُجفلك منظر الدماء؟
الشمعة:ليس كثيرا،ولكني أخاف عليك من الانتهاء..
ليليت تضحك كثيرا..تصل إلى حدود هستيرية..تتدحرج دموعها ..وتتوقف فجأة عن الضحك..تسقط على وجهها ملامح قاسية مليئة بمجهول مخيف،وتقترب عيناها للجحوط من شدة الشرود..
ليليت(تنطق دون أن تتغير ملامحها) : أيتها الحمقاء،أتسخرين من ألمي!..ليلة أمس عندما كنت أتجول في المدينة بحثا عن محل الورود لأشتري باقة الجوري كما اتفقنا..صادفت زقاقا خاويا أغراني بالضياع..توغلت فيه،وإذ وقبل أن أخرج من آخره،امتدت يد وغرست هذا الخنجر في صدري..كانت واقفة أمامي..يدٌ دون جسد أراه..لم تغرس الخنجر فور انبثاقها..جعلتني أتمعنه جيدا،ثم أرسلته إلى صدري مسموما بماء الورد..وغبت ألما للحظة،وعندما تنبهت ،كانت قد اختفت..خرجت من الزقاق،فصادفت رجلا نظربهلع إلي ونقل نظراته إلى الزقاق خلفي..ذعر أكثر وركض مسرعا،دون نطق..وبحركة لا إرادية التفت ورائي،فأصابتني رعشة سرت في جسدي كتيار قاتل..لم أجد ظلي!!
ركضت مسرعة إلى هنا..وهأنذا مسلوخة الظل..تُهدر أنفاسي دون أن أنبس….وتخشين علي أن أنتهي؟!..يبدو أني سأطفئك الليلة،لاحاجة بي للشفقة..
الشمعة،أرجوكِ لاتفعلي،لم أكن أعرف بما حدث لكِ..كنتِ صامتة ليلة أمس..لماذا لم تنطقي؟!..
البندول يراوح..
ليليت:لم أستطع..كنتُ مسجاةً وثلاثة كلاب حولي تنبح وتحاول أن تنهشني..كمانٌ يعزف بسرعة مقلقة،كانتفاضات..مشهد طفلة هلعة تتلاحق شهقاتها دون أن تستطيع الهدوء..رجل عارٍ إلا من سلسة في عنقه يعلق بها صورتي….كنت أتفرّس في وجوههم أجرّب أن أختار احدهم لأهبه حزني وجبةً أعرف أنها لن تغني،ولن توقف اشتهاءه لمزيد من التمثيل في جسدي المهترئ..
ولم أفلح..بقي الثالوث يحاصرني ويضيق أكثر..ويزداد قلقي دون أن أستسلم ،ودون أن يستطيعوا البدء بأي شي سوى مواصلة النباح..رائحة الدم توترهم،ورائحة الدمع تشلّ خطوتهم الأخيرة..
تصمت..
تسحب نفسا عميقا،وتنفثه عابقا بالتعب..
الشمعة: ولم لم تحاولي الهرب؟
ليليت:حاولت..ولكني سقطت مع أول خطوة للهروب..لم أجد ظلا أحترز به من الوقوع..بحثت عنه في كل الامكنة والأزمنة التي أعرف،ولم أجده سوى في المستحيل..ذاك الذي يعبث براغئبنا،ونطيعه دائما..
يبقى البندول يراوح..
الشمعة: وإلى متى يبقى هذا الخنجر مغروس،ودمك يسيل،كماءٍ قدسي ينضح من أرض فردوس حزينة..
موسيقى..
البندول يراوح..
ليليت: تتكور دمعة داخل عينها وتهدُر..تنظر إلى السماء..ترسل صرخة حادة طويلة،تقطعها حشرجات مفاجئة..
الشمعة ترتعش..
البندول يراوح..
تعلو الموسيقى،وتبدأ ليليت بالغناء :
تلوكني الأيام،بين الخطوِ والدربِ..
وتصلبني على لغتي،
معمّدة بماء الشوق،

(جدلية الوحدة والحياة)
المسرح بإضاءته الخافتة خواء إلا من شمعة في منتصفه فوق الأرض التي فرشت بسجاد خمري ..
الليل صامتٌ وكثيف..
تدخل ليليت بردائها الأسود،وشعرها الكستنائي المفرود فوق كتفيها كموج أرعن .. ملامحها الدقيقة تشي بأنوثتها الفائضة،وعينيها الضيقتين لهما نظرة حادة ،ولكن مليئة بالقلق وبالسخرية أيضا..
تجلس بجانب الشمعة..تتأملها بإعجاب..
تقول:أنتِ منارتي الخرساء..جميلةٌ في صمتك الأبدي..ليت لي أصرارك على الاحتضار علنا دون خوف الانتهاء..هل نبل ٌأن تحترقي من أجل متعتي!
..
لو أن الله استنطقك،لصرتِ أصلحَ لمؤانستي..كنت سأحدثك عن كل الأشياء التي تقض مضجع وحدتي،وعن سنيي التي بذّرتها في مقارعة الوقت لإثبات الجدوى،واستجلاب بعض النسيان..
.
.
ترتجف النار أعلى الشمعة..
تنظر ليليت باستغراب..
صوت أنثوي يأتي من خارج المسرح،يملأ الأجواء:
أنتم البشر تثرثرون كثيرا بلا طائل..ابتعدي قليلا،صقيعك سيطفئ شعلتي..
اضطربت ليليت ،وابتعدت مأخوذة بما يحدث..
إنها الشمعة!
ليليت(وقد استعادت هدأتها):لماذا لم تحدثيني منذ زمن،وأنا التي أشعلك كل مساء ٍ لأشعر أن شيئا ما يشاركني هذا الاغتراب ويقاسمني وحدتي الجميلة..
الشمعه:أنتم البشر لاتتقنون الإنصات..رغبتك دائما كانت في الحديث عن ذاتك دون انتظار الرد،ولذلك اخترتني،ولذلك كنت أُؤدي مهمتي بحرفنة بالغة..
اليوم فقط شعرت أنك بحاجة إلى الردع،وبحاجة لمن يقرع أبوابك قبل أن تصدئ أو قبل أن تنسي تماما أنها أبواب قد تُقرع،وقد تُفتح أيضا..بعد قليل قد تتحول إلى جدران تعيشين داخلها دون أمل..
ليليت:لما ذا أفتح الابواب وأعرف جيدا أن وراءها أقنعة قد تتكشف فجأة عن قلوب شوهاء،وعن أرواح عقيمة لاتعرف كيف تمارس إنسانها دون زيف..
تقاطعها الشمعة (بلؤم): لستِ بمنأى عن العقم ياليليت..
تجفل ليليت لما تسمعه: أنا!!
الشمعة:لاشئ يُدهش..انظري إلى عمركِ الذي تركتِه نهباً للقلق،وللأوهام التي تراودك عن المثالية والكمال والتفرد والحرية..إلى آخر هذه المفاهيم الصارمة التي تعلقينها فوق جدران الوحدة لتجمليها قليلا..ولكنها على روعتها،عاجزة عن النبض..
أليس عقما!
ليليت(تحتد):هل تسمينها أوهاما..لقد وهبتها أغلى مالدي لتحيا..
الشمعة:كيف ستحيا دون دماء؟!
ليليت: لكنك تعلمين جيدا أنني أحيك أبجديتها بكل ما أوتيت من قدرة..اللغة مفتاحٌ يُدخل تلك التي تمسينها أوهاماً إلى العالم من أوسع مداخله وأكثرها رقيا..
الكلمة ترياقٌ للعقم..عندما أجبلها بوجع البشر،تصبح أقوى للكز الخدر المزمن فوق جلودهم..
الشمعة: ولكن،هل تبدو لك الحياة واضحة من "هنا" حتى تثقي بأن ما تكتبين يحاكي حقيقة أولئك الجائعين إلى النور؟!
كي تحوزي شرعية الكتابة عن الحياة،لابد أن تمتلئي بها..
كيف تكتبين عن الحرية،وأنت مكبّلة القلب!
كيف تتحدثين عن تمرد لاتمارسينه!
..هزيمة حقيقية..
ليليت (مضطربة):لقد تماديتِ في أحكامك..ان كنتِ مصرة على تسميتها بالهزيمة،فلتعلمي أنها أقل الهزائم خسارة،وأنجعهم طريقة للعيش..أن تكون وحيداً:يعني أن تحصر دائرة الخراب،وتقلل فرص الخيبة في مداهمتك..
الشمعة:هروب !
فالخراب موجود،والخيبة حاضرة..إن أردتِ ان تعصبي عينيك بحجاب الوحدة،إنها لذاتية مفرطة..
ليليت(دون اكتراثٍ لما تقوله الشمعة):الوحدة تغدق عليك بما هو أثمن من أن تحوزه في حضرة الآخرين..تمنحك"أنت"..تذود عن ما في صدرك من تراتيل،لتمنحك طقس صلاة فريد..
الشمعة:هروب آخر!
بدل أن تنسلّي بنفسكِ إلى جزيرة خواء،كان الأحرى ان تفرضي ذاتك وسط الجمهرة،لو استطعت ذلك،أو لو حاولت حقا،لما اخترتِ هذا الإقصاء لأنه ببساطة أسهل الطرق..وكنتِ أضعفَ من أن تواجهي الآخر بكل الاختلاف الذي يستلبكِ،فانسحبتِ موارية ماتكونين..
ليليت: انسحابي ليس ضعفا..كان لكي أواجههم بلغتي،وأفضح قُبحهم دون ان يزعجني ضجيجهم وحماقاتهم الصغيرة..

من قال أن الموت حادثة وحيدة..
من قال أن العمر،ذاكرة يلوّحها الشقاء..
يرد الظل:
الموت تتويج لوقتنا المصلوب فوق النهر..
لايجري..
العيش أغنية لبعض العمر،تُنشد للبعيد..
ويلجمها الخواء..
.
.
من قال أن الوحدة عاقر لا تحبل المكان..
من قال أن ظلالها لاتجبل الحب المغيّب بالدماء..
ينادي الظل:
ياعيون الله،أتعبه البقاء..
هل يرتوي شَبِق الحقيقة،في أول النور..
فوق منصةِ الذكرى،
ينتصب الصمت ُ،
شاعراً متخما بأوجاع الكلام..
لاشئ إلى عليائه يُفضي،
سوى معراج وحدته،
وسوى تمرّد طفلة فوق الخراب..
كي تفهم الصمتَ،
لابد أن تُغرقك اللغة ُ يوما
في لُجّتها..
لابد أن تهترئ أيضا باحثة ً عمّا وراءها..
باحثة عن مبرر ٍ لالتقائها مرة أخرة

عودي،ياطفلة التراب..
فهذا الاغتراب
صليبٌ يلاحق جسدي..
يتقاطر فوق بداياتي،
كرذاذ..
لكن،يثقلُ لغتي..
.
.
صمّاء دربُ هروبي،
حائرة أيضا ً..
.
.
ءأتيهُ "هناك" !
فأُولدُ من رحمي،
زنبقة ً تنمو أكثر..
تكبر أكثر..
لاتصلُ..

"محاكاة جلجامش "
كُتب على بوابة المسرح الأمامية :"مسرح للمهمات الوجودية " ..
قاعة مهيبة،اسودّ أثيرها ..وامتلأت مقاعدها بأرواح حاولت مؤقتا التموضع احتراما لضيافة الحياة لهم،شهودا
ومشاركين لعرض شبه مسرحي في حضرة اللاهث -سابقا- وراء الخلود،جلجامش..
الستارة مفتوحة كأنها وُجدت على هذه الحالة منذ زمن لايعرفه أحد..عتيق جدا..
يبدأ عزف بيانو رقيق كدحرجة ماء نهر هادئ..يعلو العزف تدريجيا ..يضطرب حد الصخب..ثم ينقطع فجأة..
السواد بليدٌ فوق المسرح رفقة صمت متوجس يستثيران معا لوحة التأهب الجماهيري..
ينبجس ضوء على مشهد لطاولة أخذت مكانها وسط كرسيين عتيقين متقابلين ،جلس على أحدهما شابٌ وسيم يضج عنفوان الشباب حمرة ً فوق وجنتيه..عميق العينين ،فوضوي الشعر،حاد الملامح،بشرته لها بياض متطرف ..أطلق على نفسه مجازا أسطوريا مبتدعا " أكواريوس"،الفارس الإغريقي الذي يطارد الأجوبة المشبوهة التي يتعاطاها الآدميين كالمسلمات المراوغة المضللة حتى بتسميتها،ويفتش عن الأسئلة التي لم تُسأل بعد،وتلك التي صيغت بدلالات لاتحتوي أجوبتها،ليحظى بعد ذلك أمام المواجهات القاسية،بفرص جديدة لفتح ثقوبا إضافية تطلّ على الحقيقة،وتطل ّ الحقيقة عبرها أشعة نورانيةمن غبار كوني سرمد..
تقابله هيئة رجل خمسيني طويل الشعر أرمده،طليق الذقن،لا يخفى تعب عينيه على أحد..عينان بحزن الليلك..تخبرك ملامحه
عن نرجسية بتاريخ خصب وعن أوجاع مختزلة خطت طريقها بحرفنة في تضاريس وجهه،وسخت في البذل حول عينيه،فصارتا
لوحتان من الحزن يحاصرهما الشقاء كإطار..
لم يكن أحدٌ غيره..جلجامش..
تعِبٌ..ولكنه يجلس بكبرياء،ويرسل نظره إلى البعيد..
أكواريوس (بحرج من ينبه محدّثه الساهم إلى ضرورة استئناف الحديث):إذن ،لذلك فطمت نفسك عن تلك المدن الموبوءة بالترف
،ورحلت تستجدي الخلود..
جلجامش(يهزّ رأسه مؤكدا ً): لم تغرني يوما ً حياة تبدأ وتنتهي،ولم أقنع بأن كل ما أشعره من نشوة وجودية سيضمحل وقتا ما-حسب ذائقة القدر- في جوف أرض تأكل بشراهة جهنمية كل ما يصل إلى إلى معدتها..كأنها نارٌ ترمّدُ الأجساد على مهل..
أكواريوس (بحواس متيقظة):الجسد تمثيل لذات نشعر قوتها وحضورها وتملكها العميق لنا،ولكنها أوسع من أن تمكّن الحواس من إدراكها..هي تمدنا فقط بزهيد من أسرارها،وتغدق علينا بفيض من يقين بمطلق حقيقتها ويإيمان باللامنطق الذي تخاطبنا به ،والذي يفتح شهيتنا للبقاء دون أن نعرف لماذا؟!
جلجامش:لماذ..لماذا..آه كم "لماذا" ضجّت بها شفاهي،وأقلقت عقلي أزمانا،وحارت النفس بأي زاوية تخبئها هذه التي تقف متربصة
بي خلف علامة الاستفهام،قلقة كأنها تخشى عليّ من وقع ألمها الفلسفي..تخاف أن تراني جهيد الفكر من تغلغلها العنيف في الذهن ..لماذا..
وبدى مسهبا في الذكرى ..بعيدا..غائبا..كمن يسترجع كل تلك الأسئلة "اللماذيّة" المفتوحة على المجهول،والمتحرشة أبدا بعقل إنسان توّاق لاحتضان الأجوبة أو ما يشبهها بين تلافيفه..
جلجامش(يتابع):هذه "اللماذا" هي التي قادتني طواعية إلى بداية رحلتي الغرائبية لإدراك كنه الخلود..لماذا جئت؟..لماذا أنا؟..لماذا سأرحل؟
..
لماذا هذه المحطة التي تبيدو عبثية إلى حد بعيد؟..
ولماذا الجسد؟..
سرت وفي جعبة ضياعي "لماذات" كثيرة من مختلف الأعماق الجوانيّة..وكلما سرت أكثر،توغّل في جوفي إلحاح السؤال وتوق الوصول أكثر،ولم يدع لي فسحة للنسيان،أو نقاهة مرضيّة من حمّاه..
..
هناك أسئلة لها احتمالات محدودة،تجد أجوبتها بمجرد أن تعرف قوانين اللعب التركيبية البسيطة..تركب الجواب على سؤاله وتشعر بإنجاز معرفي فردي










